}.. عرسٌ.. من حروفٍ منتفضة..

كعادتها الشنيعةِ..!
تقبضُ كفَّها إلى صدرها.. تضمّهُ لدرجةٍ تخلِّفُ علامةً على وجهِ القلبِ.. وتتركُ أثراً في الصدرِ أو أبعد.
بخيلةٌ هيَ إلا في قتل الفرحْ.. ففيهِ تَشْعُرُها كريمة بل مسرفة الكرم، كأنيْ بها تعرفُ ما بيدهِ رسمُ بسمة.. فتحيلهُ مِزقاً بعدَ اكتمالِ صحة.. وتفردهُ بنوباتِ اهتمامٍ.. لكنها ذاتِ هدفٍ مختلفْ.. تصادقُه وتمنحه عهداً بعدَ عهدٍ.. وهي صادقةٌ وفيةٌ بعهدها.. إلا أننا في كلّ مرةٍ نزدادُ انتحاءً وبعداً عن الصواب.
ففي الوقتِ إياهُ الذي ترقصُ هيَ فيهِ في محاريبِ قلوبنا.. رقصاً يوهمنا بأننا لا نزالُ أحياء.. نكذبُ ونصدقُ الكذبةَ قبلَ الجميعْ.. نوهمُ أنفسنا أننا لا نزالُ نتنفسُ.. بينا تُمِدنا بنَفَسٍ مسمومٍ.
يرى الأحياءُ حولنا أشباحاً تدور وتدور بلا هدفٍ محدد.. يشهقُ فلانٌ.. وترتعشُ ابنة العمدة.. فيأمرُ الأخير وهو صاحبُ العقدِ والحلّ.. يأمرُ قراصنتهُ ليضموا أشباحنا في قفصٍ هلاميّ ويقدمون لنا من بينِ شقوقهِ بقايا مائدةِ العمدة.. نتصارخ ونتبارى من يسبقُ ليحوز الكِسرةَ الأكبر.. ونحن نتشبعُ اعتقاداً أن الأكبرَ هي الموتُ الأقربْ.
أصِفُنا أغبياء.. وأصْدُقُ.. بل أتحدى إن رضيَ أن يبارزنا الغباء حمار جحا!
هيَ العقربُ مسمومة النَفَسِ والنبضة.. مكشوفةُ العورةِ والوجه.. تعودنا منها تقرض كلّ أطرافِ الصفحةِ البيضاء لتهددنا بصريحِ النفثِ المسمومِ: أنْ يا هؤلاء!.. إنّ هناكَ ما يرقبُ هلاككم.. ويتحيَّنُ فرصةَ موتكم.. فلا تُطيلوا لحظات السعادة أو توسِّعوا الابتسامة!
ليسَ غريباً.. أو جديداً منها.. فهي كانت ولا تزال وستظلُّ إياها.. بريئة الوجهِ المرسوم، صاحبةُ الابتسامةِ متقنةِ الصنع.. والكلمةِ فائقة الحبك.. بل إياها ربّةُ الجمال والهدوءِ والرقة والحلم.. فما إن تقرأ في عينيْ أحدهمْ بريقَ انتصارٍ إلا أودت بهِ لهاويةِ الهلاك.. أو تلمح بوجههِ ألقاً إلا أحالت ألقهُ ألماً وشكوى.. كل ذلكَ وهو في منتهى الانسجام..!
كيف لا..!
وهيَ قد فرشت حريرَ مكرها ثوباً ينطقُ إغراءاً يشدُّ إليهِ كلّ من يقتربونَ من الموتِ على أطرافِ دوامةِ الشوك.. وهم.. يا للمصيبةِ يتصايحونَ بينَ يديها شهوةً وحاجة!
وفي آخرِ المطافِ تهديهم شمعة.. احتفالاً بعيدِها اليوميّ وإن همْ قلَّبوا الشمعةَ بينَ يدي عقولهم وجدوا بقاعِهَا بقعةَ دمٍ تشرحُ فائتَ السنين صراحةً أمام عيونهم.. رغمَ ذلكَ يشعلونها.. ومع كل قطرةٍ ذائبةٍ منها تنسكبُ روحٌ طالها الظلم.. وتُطلَقُ رصاصةٌ ذميمةُ الخِلقةِ، ذميمةُ الطبعِ والصنعِ، لكنها مطليةٌ بدمٍ طاهرِ الريحِ زاهي اللونِ، فتلكَ اخترقت جسدَ العزيز.. وبعدَ الرصاصةِ يتوالى عرضُ الصور.. وفي عمقِ الظلامِ يحالُ مخزنُ الجرذانِ معرضاً لقيِّمِ إنجازات هتلر.. المخزن الذي حُبسَ فيهِ كلّ معتزّ بإنسانيته.. يحالُ بينَ عودِ ثقابِ وشمعة.. إلى شاشةٍ كبيرةٍ تعرضُ صورَ المأساةِ على مدار الأربعِ وعشرين هزيمة.
تطلعُ شمسُ النصرِ مكسوفةَ المدّ الشعاعيّ لكنّها تبقى متفائلةً بمكانٍ لا يزالُ يحافظُ عليهِ عشاقها ليُسْكِنُوها إياه يومَ تعودْ.. لكنَّها تُذهلُ يومَ أن ترى تلكَ الشمعةَ اللعينةَ اعتلت عرش الشمسِ.. وسجدَ بينَ يديها قومٌ بقاؤهم في الأرضِ حدثٌ مُفتعلْ.. تديرُ ظهرها بكلّ هدوءٍ.. فهيَ تحفظُ تفاصيلَ القصة.. وتعود إلى حيثُ كانت في حضنِ طفلٍ بيده حجرٌ نقشَ على بسطته حروفَ القلاقلْ.. ولثَّم وجهه بخرقةٍ كيلا تقرأ اللحظةُ ملامحه.
سمآح ضيف الله عبد المزين
غزة في: الخميس 19 مارس 2009م



انقش اسمكَ فيْ قلبِ عالميْ..